عرضت إيران الشهر الماضي إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المحادثات النووية خلال أسبوع، شريطة رفع الحصار البحري، وإعفاء مبيعات النفط الإيراني من العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة. ولا يزال العرض مطروحا، وفقا لوزير الخارجية عباس عراقجي.
ويرى الدبلوماسي الأمريكي السابق، لودوفيك هود، زميل أول في "مركز السلام والأمن بالشرق الأوسط" التابع لمعهد هدسون، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "كان محقا، ولا يزال محقا، في رفضه (العرض). فالمطالبة بالحصول على مقابل مادي لإعادة فتح ممر مائي أغلقته إيران بنفسها ليست تنازلا، بل ابتزاز يرتدي ثوب الدبلوماسية".
وبحسب تقارير، أبلغ الرئيس ترامب مستشاريه بأنه يتوقع استئناف القصف بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ويجب الإبقاء على هذا الخيار مطروحا، إذ أنه من شأن حملة عسكرية محددة الأهداف أن تعمل بالتوازي مع تشديد الضغوط الاقتصادية.
ويقول هود في تحليل نشرته مجلة "ناشونال انتريست" الأمريكية إن الحملة الاقتصادية ليست بديلا عن القوة، بل تمهيدا لاستخدامها.
ويشير إلى رؤية توماس شيلينج- عالم نظرية الألعاب الذي علم جيلا من الخبراء الاستراتيجيين كيف يؤتي الإكراه ثماره، ومفادها: "القدرة على إلحاق الأذى لا تصبح ورقة تفاوضية إلا ما دام الألم الأكبر لم يقع بعد... الحصار هو الألم الذي تشعر به إيران بالفعل، في حين تمثل القوة الكامنة خلفه الألم الذي لا يزال ينتظرها."
وأدركت الإدارة الأمريكية أن النهاية المنشودة لا يمكن أن تكون وقفا شكليا لإطلاق النار، " فقد منحت مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو (حزيران) إيران تخفيفا للحصار مقابل التعهد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وإعادة فتح المضيق. ولكنها انهارت بسبب غموض الصياغة، بدءا من مسألة الجهة التي تسيطر على مضيق هرمز. ومن شأن مذكرة جديدة تعيد فتح الممر المائي، وتفرج عن الأصول المجمدة، وتؤجل التحقق من الالتزامات النووية، أن تكرر نفس الخطأ".
وبحسب هود، الذي تركز أبحاثه على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والأمن الإقليمي في الخليج، وإسرائيل، والدول العربية، وإيران، ولبنان، هناك نتيجتان فقط يمكن القبول بهما: الأولى أن تُظهر القيادة الإيرانية الحالية، سريعا، وبأفعال لا وعود، استعدادها لقبول الشروط الأمريكية الأساسية: عدم امتلاك سلاح نووي، وعودة المفتشين، وفتح مضيق هرمز دون أي مقابل، وفرض قيود على الصواريخ الإيرانية، ووقف دعم الجماعات الوكيلة".
أما النتيجة الثانية، فهي ظهور قيادة جديدة في إيران تتخلى عن المشروع التأسيسي للجمهورية الإسلامية، القائم على المواجهة وتصدير الثورة إلى الخارج، وتقبل الشروط نفسها، وتثبت التزامها بها على الفور، بدءا بفتح المضيق بالكامل والسماح بإجراء عمليات التفتيش النووي.
وفي معرض تناوله الخيارات المتاحة في ظل تصاعد المخاطر، يلفت هود، الذي عمل في السلك الدبلوماسي الأمريكي لمدة 20 عاما، إلى ضرورة "سد الثغرات في الحملة الاقتصادية" ضد إيران.
ويعني ذلك "فرض عقوبات ثانوية على البنوك ومصافي التكرير والموانئ الصينية التي لا تزال تتعامل في النفط الإيراني، وتشديد تطبيق الحصار البحري، والتفعيل الكامل لقانون العقوبات على إيران... لينهي بذلك آمال طهران في انتهاء العقوبات المفروضة بموجبه. وتشكل هذه الإجراءات أساسا لجميع الخيارات الأخرى، ويمكن مواصلة تنفيذها بالتوازي مع المفاوضات".
ويتمثل الخيار الثاني في استئناف حملة مستمرة من الضربات على الأهداف العسكرية والاقتصادية والقيادية في إيران، فقد "أضعفت الحملة الجوية التي استمرت من فبراير إلى أبريل قدرات إيران الصاروخية ومنشآتها النووية، لكنها تجنبت إلى حد كبير استهداف قطاع النفط، وانتهت قبل استكمال قائمة الأهداف، كما استهدفت اقتصاد لم يكن الحصار قد نال منه بعد".
أما الجولة الجديدة "فسوف تختلف من أربع جوانب: أولا، ستستكمل استهداف وحدات الصواريخ ومنصات الإطلاق والمنشآت المتبقية المرتبطة بالبرنامج النووي. وثانيا، ستشمل البنية التحتية للطاقة والشركات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني التي تمول النظام. وثالثا، ستستهدف قادة الحرس الثوري الذين يعرقلون التوصل لاتفاق... ورابعا، ستضرب اقتصادا يرزح بالفعل تحت وطأة الحصار والعقوبات، بحيث تصبح كل خسارة أكثر صعوبة في التعويض".
والهدف هو "أن ترى إيران أن كلفة المماطلة تفوق كلفة تقديم التنازلات، من دون إرسال قوات أمريكية إلى الأراضي الإيرانية".
أما الخيار الثالث، والذي يشكل أعلى المخاطر، فهو بدء عملية برية محدودة" فالعمليات البرية تغير معادلة التفاوض".
وتستهدف هذه الخيارات الأهداف الأساسية مباشر، " فتح المضيق، وإنهاء التهديد النووي، ودفع النظام إلى إدراك أن مقاومته ستكلفه أشياء لا يستطيع استعادتها بمجرد الانتظار".
ويؤكد هود أن الاستيلاء على جزيرة خرج، التي يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيراني، من شأنه أن يضع المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في إيران تحت سيطرة أمريكا. ويمكن رفع الحصار في إطار أي اتفاق. لكن بقاء محطة تصدير تحت السيطرة الأمريكية يظل ورقة ضغط إلى أن تقرر واشنطن خلاف ذلك."
وثمة خيار آخر يتمثل في الاستيلاء على جزيرة أبو موسى أو جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، أو الجزر الثلاث، التي تطالب دولة الإمارات بالسيادة عليها.. ومن شأن ذلك "إضعاف قدرة الحرس الثوري على تعطيل حركة الملاحة البحرية انطلاقا من قواعد متقدمة".
أما العملية الأصعب، والأكثر ارتباطا بالتهديد النووي نفسه، فإنها "تتمثل في الوصول إلى اليورانيوم عالي التخصيب المدفون تحت الأرض، والتحقق من كمياته ومواقعه، وربما إخراجه".
ويؤكد هود أن كل خيار من هذه الخيارات البرية ينطوي على مخاطر واسعة، إذ يمنح الحرس الثوري أهدافا ثابتة يمكن استهدافها بالصواريخ والطائرات المُسيّرة، كما سيتطلب قدرات لوجستية إضافية وإمكانات أكبر للدفاع الجوي."
ويشكل وجود نحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية أمريكية في المنطقة، مع تمديد انتشارها حتى عام 2027، قاعدة يمكن لواشنطن الانطلاق منها، "لكن تنفيذ هذه العمليات سيحتاج إلى موارد عسكرية إضافية".
ويشير الخبير الدبلوماسي هود إلى أنه ينبغي وجود مسار مواز يتزامن مع التصعيد التدريجي للضغوط, " فمن خلال التعاون مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، والحلفاء الآخرين، ينبغي للولايات المتحدة تكثيف الضغوط السرية على الفصائل السياسية والأجهزة الأمنية، بالاستفاداة من الانقسامات داخل النظام نفسه، وكذلك من الخلافات بين الحرس الثوري الإيراني و/آرتس/ " أي القوات المسلحة النظامية الإيرانية.
ورغم ذلك، أكد هود وجود مخاطر حقيقية، حيث ستواصل إيران استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة وتهديد حركة الملاحة البحرية والبنية التحتية للطاقة في الخليج وأسعار النفط. كما يمكن للجماعات التي تعمل بالوكالة إلحاق أضرار، على نحو ما أظهره الحوثيون مؤخرا. ويمكن للصين أن تواصل توفير شريان مالي وتجاري لإيران".
وإلى جانب ذلك، سوف يؤدي استئناف الحملة العسكرية إلى استنزاف الذخائر التي تفضل أمريكا الاحتفاظ بها لمواجهة اي طوارئ أخرى، و"قد تؤدي الضغوط المفروضة على نظام يتعرض للهجوم إلى تعزيز تماسكه بقدر ما قد تؤدي إلى تفككه".
وتشكل هذه المخاطر دواعي لترتيب الضغوط بعناية- تشديد الحملة الاقتصادية والاستعداد للمرحلة التالية من الخيارات العسكرية- وليس التراجع عنها.
لكن البديل ليس الاستقرار، "بل استمرار الخطر نفسه بوتيرة أبطأ. فوقف إطلاق النار الشكلي سيمنح إيران وقتا لاستعادة إيراداتها، وسيترك مصير اليورانيوم مجهولا، وسيؤكد لقيادتها مرة أخرى أن تصميم أمريكا يخضع لحسابات المواعيد السياسية والانتخابية".
وفي ختام التحليل، يشير الدبلوماسي السابق هود إلى أن "معايير واضحة لقياس نجاح الحملة الأمريكية، وهي تتمثل في "عودة المفتشين، والتحقق من مصير اليورانيوم، وفرض قيود على الصواريخ، وفتح مضيق هرمز دون دفع أي مقابل. وما دون ذلك ليس سوى هدنة مؤقتة".
لقد راهنت إيران على قدرتها على الانتظار حتى تتغير الحسابات السياسية الأمريكية، "والحصار والقوة العسكرية التي تقف وراءه هما وسيلتا واشنطن لإجبار طهران على خسارة هذا الرهان".








0 تعليق