جورجيا تتجه إلى فرض كتاب مدرسي واحد لكل مادة وسط مخاوف من تقييد حرية النشر

بوابة الشروق 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قررت المدارس في جورجيا التحول إلى نظام الكتاب المدرسي الواحد لكل مادة بحلول عام 2028، وذلك بموجب تعديلات على قانون التعليم الابتدائي والثانوي أقرّها البرلمان الجورجي في وقت سابق من العام الجاري، على أن توفر الحكومة هذه الكتب، بدلًا من الاستفادة من تنوع دور النشر التعليمية المحلية وخبراتها.

وكان النظام المعمول به يتيح لمجموعات مختلفة من المؤلفين التعاون مع دور نشر متعددة، ثم تقديم كتبهم المدرسية إلى وزارة التعليم، حيث تتولى لجان متخصصة مراجعتها وتقييمها قبل اعتمادها من الوزارة، وبعد ذلك، كان بإمكان المدارس الاختيار من بين عدة كتب معتمدة لكل مادة ولكل سنة دراسية.

أما في النظام الجديد، فستتولى الوزارة بنفسها إعداد الكتب المدرسية من خلال خبراء تختارهم، وفق مبدأ "كتاب واحد لجميع المدارس"، وفسّرت وزارة التعليم هذه الخطوة بأنها تهدف إلى تبسيط العملية التعليمية في المدارس، غير أن القرار أثار مخاوف من سعي الحكومة إلى فرض سيطرتها على محتوى الكتب المدرسية.

وتأتي الخطوة التي اتخذتها الحكومة الجورجية في أعقاب مبادرات مماثلة في المكسيك وجمهورية الدومينيكان.

وقالت رئيسة لجنة حرية النشر التابعة للاتحاد الدولي للناشرين، جيسيكا سانجر، إن التحول إلى الكتب المدرسية الحكومية الموحدة يمثل تقييدًا شديدًا لحرية النشر في المجال التعليمي، داعية الحكومة الجورجية إلى إعادة النظر في القرار وتهيئة الظروف اللازمة لتوفير مصادر تعليمية متنوعة تلبي احتياجات جميع فئات المتعلمين.

ومن جانبه، قال رئيس منتدى الناشرين التعليميين التابع للاتحاد الدولي للناشرين، كريستوف بينكوس، إن أفضل النتائج التعليمية، سواء من حيث الأساليب التربوية أو الكفاءة في الإنفاق، تتحقق عندما تتعاون الحكومات مع المعلمين والناشرين لتوفير مجموعة متنوعة من الموارد التعليمية، بما يضمن حرية الاختيار أمام المعلمين والطلاب.

وأضاف أن سياسات الكتاب المدرسي الواحد لا تحقق هذه الأهداف، بل تحرم المعلمين من الاستفادة من نطاق واسع من الخبرات التي يمكن أن تدعم عملهم، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الجودة والتكلفة تكون سلبية دائمًا في ظل هذه السياسات.

وبدوره، قال نائب رئيس منتدى الناشرين التعليميين، خوسيه مانويل أَنتا، إن الطلاب في جورجيا يستحقون الوصول إلى موارد تعليمية عالية الجودة توفرها مجموعة واسعة من دور النشر في سوق حرة وتنافسية، مؤكدًا ضرورة إتاحة الفرصة للمعلمين لاختيار الكتب المدرسية الأنسب لطلابهم، بما يضمن تحقيق نتائج أفضل لنظام التعليم الجورجي.

وفي سياق ردود الفعل الرافضة للقرار، وجّهت جمعية صناعة الكتاب الجورجية، وهي عضو مؤقت في الاتحاد الدولي للناشرين، خطابًا مفتوحًا إلى وزير التعليم والعلوم والشباب في جورجيا، أعربت فيه عن قلقها إزاء التغييرات التي تستهدف تطبيق مبدأ "الكتاب المدرسي الواحد" في منظومة التعليم المدرسي.

وأكدت الجمعية أن تقييم إصلاح بهذا الحجم يجب أن ينطلق من مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، والحق في التعليم، والقيم التي يقوم عليها النظام التعليمي الديمقراطي.

وأوضحت الجمعية أن المادة 27 من الدستور الجورجي تكفل الحق في التعليم واختيار شكله، كما تحمي حرية الفرد في النمو والتطور، وحرية الفكر، وحرية تلقي المعلومات ونقلها، وشددت على أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على ضمان تكافؤ فرص الحصول على التعليم، بل تمتد إلى توفير بيئة تعليمية تشجع التفكير المستقل والنقدي.

وحذرت من أن حصر إعداد الموارد التعليمية في منظومة مؤسسية واحدة قد يحدّ من تنوع المحتوى ويزيد مخاطر التأثيرات السياسية، مؤكدة أهمية إشراك الخبراء المستقلين والأوساط الأكاديمية والمعلمين ومختلف الفئات المهنية في إعداد الكتب المدرسية واعتمادها، وفق معايير واضحة وشفافة.

كما حذرت الجمعية من أن تطبيق النظام المقترح سيقيد الاستقلالية المهنية للمعلمين وقدرتهم على اختيار المواد التعليمية التي تتناسب مع أعمار الطلاب واحتياجاتهم ومستوياتهم المعرفية، فضلًا عن الحد من المنافسة المهنية والإبداعية التي تسهم في تطوير المناهج وأساليب التدريس والموارد التعليمية الرقمية.

ولفتت إلى أن تركيز سوق الكتب المدرسية في يد الدولة سيقلص فرص دور النشر الخاصة والعاملين في القطاع، من مؤلفين ومحررين ومترجمين ومصممين ورسامي كتب، بما يهدد الوظائف والخبرات المهنية واستدامة صناعة النشر في جورجيا.

واستندت جمعية صناعة الكتاب الجورجية في اعتراضها إلى اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على توجيه التعليم نحو تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وإعداده لحياة مسؤولة في مجتمع حر.

وأكدت الجمعية أن تقييم جودة التعليم لا ينبغي أن يقتصر على توحيد المعلومات المقدمة للطلاب، بل يجب أن يشمل أيضًا مدى إتاحة الفرصة أمامهم لطرح الأسئلة، والنظر في وجهات نظر مختلفة، وتكوين آرائهم واستنتاجاتهم المستقلة، وشددت على ضرورة أن تستند أي تغييرات في النظام التعليمي إلى الأدلة وأفضل الممارسات الدولية، وأن تسبقها مشاورات مهنية واسعة وتقييم شفاف للمخاطر والنتائج المحتملة.

كما أشارت الجمعية إلى أن اعتماد نظام الكتاب المدرسي الواحد قد يضعف قدرة الطلاب الجورجيين على اكتساب المعارف والمهارات اللازمة للمنافسة في أسواق التعليم والعمل، محليًا ودوليًا، في ظل أهمية الموارد التعليمية الحديثة والمتنوعة لتحقيق هذا الهدف، ونبهت إلى أن تولي الدولة إعداد الكتب ونشرها بصورة مركزية، من خلال إجراءات المشتريات العامة، قد يزيد التعقيدات الإدارية ويؤدي إلى تأخيرات بيروقراطية وأوجه قصور مؤسسية، فضلًا عن الحد من الشفافية والرقابة العامة.

وفي السياق نفسه، أشار اتحاد الناشرين الأوروبيين للكتب التعليمية إلى أن الخبرات المتراكمة لدى المؤلفين والمعلمين والمحررين والباحثين والمتخصصين في التصميم والموارد الرقمية تمثل جزءًا مهمًا من البنية التحتية التعليمية لأي دولة، داعيًا إلى ضمان مشاركة هذه الفئات في مناقشة التغييرات المقترحة ودراسة آثارها طويلة الأجل.

ومن جانبه، أعلن اتحاد الناشرين الأوروبيين للكتب التعليمية، وهو عضو مشارك في الاتحاد الدولي للناشرين، تضامنه مع جمعية صناعة الكتاب الجورجية، داعيًا إلى الاستماع الكامل إلى آراء الناشرين والمؤلفين والمعلمين وغيرهم من المتخصصين في التعليم قبل إقرار النظام الجديد.

وأكد الاتحاد أن جودة التعليم لا تتحقق بمجرد إتاحة كتاب مدرسي، بل تتطلب تنوع المناهج والأساليب، والمنافسة المهنية، والابتكار، والاستفادة من خبرات المعلمين، وإتاحة الفرصة أمام الطلاب للاطلاع على وجهات نظر مختلفة وتنمية قدراتهم على التفكير المستقل والنقدي.

وشدد على ضرورة إخضاع أي تغييرات جوهرية في نظام الكتب المدرسية لمشاورات مهنية واسعة وقرارات شفافة، مع دراسة آثارها طويلة الأجل على جودة التعليم واستقلالية المعلمين والابتكار واستدامة قطاع النشر التعليمي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق